في مشهد يجسد التناقض الحالي الذي يعيشه نادي الهلال، عاد قائده سالم الدوسري وزميله سلطان مندش للتدريبات الجماعية وسط عاصفة من الانتقادات المالية والجماهيرية التي تهدد استقرار الكيان العملاق، مما يسلط الضوء على أزمة متعددة الأوجه تتربص بمسيرة الفريق في نهاية الموسم الحاسم.
المدرجات الفارغة.. صورة تكشف أزمة الثقة
بعيدًا عن التفاؤل بخطوة الدوسري العلاجية، تكشف إحصائية صادمة عن عمق المشكلة الجماهيرية التي تواجه النادي. ففي مواجهة التعاون الأخيرة، خاض الهلال المباراة بحضور جماهيري تقل نسبته عن 50% من سعة ملعب المملكة أرينا، وهي صورة تتناقض بشدة مع مكانة النادي التاريخية وتُظهر اتساع الفجوة بين الإدارة والجمهور.
من جهة أخرى، لم يعد هذا المشهد حكرًا على الزعيم، حيث يعاني منافسوه أيضًا من ظاهرة الغياب الجماهيري. فبينما يبحث الأهلي عن حلول “غير تقليدية” لاستعادة الحضور، عبر مدرب الاتحاد سيرجيو كونسيساو عن شعوره بـ”الألم” تجاه هذه الظاهرة، مما يؤكد أنها أزمة عامة وإن كانت تظهر بوضوح أكبر في صفوف الهلال حاليًا.
في المقابل، استطاع النصر “كسر القاعدة مؤخرًا” وجذب الجماهير مجددًا، وهو ما يضع الهلال في موقف حرج بالمقارنة. وتُلقى باللوم في هذه الأزمة على ارتفاع أسعار التذاكر، خاصة مع دخول الموسم مرحلة الحسم في دوري روشن السعودي والمنافسات الآسيوية، مما يدفع نحو إعادة تقييم السياسات التسعيرية.
فاتورة باهظة وانتقادات لا تتوقف
إذا كانت المدرجات الفارغة تمثل الجانب الشعبي من الأزمة، فإن ملف النفقات الضخم يمثل جانبها المؤسسي الأكثر إحراجًا. حيث يواجه الهلال انتقادات حادة بسبب إنفاقه الذي تجاوز 172 مليون يورو في سوق الانتقالات، وسط سخرية منافسة من النصر وشكاوى من الأهلي.
تأتي هذه الانتقادات في وقت يواجه فيه النادي تحديات قانونية أخرى، حيث لا تزال شكواه ضد لاعبيه السابق عبدالله الحمدان منظورة أمام لجنة الاحتراف. وكان الزعيم قد اتهم الحمدان بفسخ عقده دون سبب مشروع قبل 48 ساعة فقط من نهايته، لتسهيل انتقاله إلى النصر بحثًا عن المشاركة قبل كأس العالم 2026.
وفي سياق متصل، يثير البرتغالي روبن نيفيش، الذي شكل ثنائية رائعة مع سيرجي سافيتش في وسط الميدان، الجدل بتصريحاته الهجومية المتكررة ضد الحكام وحديثه عن “عدالة المنافسة”. وهو سلوك يبدو متناقضًا مع تصريحه السابق عند قدومه: “لم نأتِ إلى السعودية من أجل التقاعد”، مما يضيف طبقة أخرى من التوتر الداخلي.
بنزيما.. صفقة النجومية بين التألق والإحباط
في قلب هذه العاصفة، تقف تجربة التعاقد مع النجم الفرنسي كريم بنزيما، الذي انضم إلى الهلال في شتاء 2026، كرمز للاستراتيجية المالية المثيرة للجدل. بدأت المقارنات تطفو على السطح مع تجربة كريستيانو رونالدو في النصر، حيث يتساءل البعض عما إذا كان بنزيما “قد يتحول إلى صفقة نحس” على غرار ما حدث مع غيره من النجوم الكبار الذين قدموا إلى الدوري السعودي.
هذه المقارنة تدفع للتأمل في نماذج مختلفة لتعامل النجوم مع مراحلهم المهنية المتأخرة. فبينما غادر ليونيل ميسي إلى الدوري الأمريكي في سن الـ36، وانضم رونالدو إلى النصر على مشارف الـ38، يقدم روبرت ليفاندوفسكي، في سن الـ37 مع برشلونة، نموذجًا مختلفًا في القيادة والتأقلم مع دور البديل دون إثارة المشاكل، مساهمًا في 141 هدفًا خلال 185 مباراة.
علاوة على ذلك، يظهر ليفاندوفسكي، الهداف الثالث للدوريات الأوروبية الكبرى بعد ميسي ورونالدو، دورًا قياديًا داخل غرفة الملابس ويساند زملاءه الشباب، وهو ما يطرح سؤالًا حول مدى تحقيق الصفقات السعودية الضخمة للتوازن المطلوب بين القيمة التسويقية والأداء والاستقرار داخل الفريق.
معسكر منقسم بين العودة والغياب
على أرض التدريب، يعيش الهلال واقعًا مزدوجًا فيما يخص الحالة البدنية للاعبيه. فبينما يعود الدوسري ومندش للتدريبات الجماعية ومن المقرر أن يكونا جاهزين لمواجهة الخلود في الثامن من أبريل ضمن الجولة الـ28 من الدوري، يبقى نجماه الآخران بعيدًا عن المجموعة.
فالفرنسي كريم بنزيما يواصل برنامجه التأهيلي بعد معاناته من بعض الآلام قبل مواجهة التعاون، حيث أدى مؤخرًا تدريبات لياقية متنوعة. في السياق ذاته، واصل زميله سايمون بوابري، الذي أصيب خلال التوقف الدولي الأخير مع منتخب فرنسا تحت 21 سنة، برنامجه في صالة الإعداد البدني بجانب تدريبات لياقية باستخدام الكرة.
هذا الانقسام في حالة اللاعبين يخلق تحديات لوجستية وتخطيطية للجهاز الفني، خاصة مع اقتراب مواجهات حاسمة. كما يذكر بإشكالية الإصابات التي يعاني منها منافسوه، مثل كريستيانو رونالدو الذي أكدت فحوصاته الطبية مؤخرًا أن خروجه من مباراة النجمة كان بسبب إجهاد عضلي فقط وليس إصابة.
مستقبل غامض واختبار الخلود القادم
تتجمع كل هذه الخيوط – أزمة الحضور، انتقادات الإنفاق، الجدل الداخلي، وتحديات الإصابات – لترسم صورة معقدة لمستقبل الهلال في الأسابيع الحاسمة من الموسم. حيث تهدد هذه التحديات المتزامنة مسيرة الفريق في الدوري المحلي والمنافسات القارية، خاصة مع تقدم النصر بفارق خمس نقاط في الصدارة.
بالإضافة إلى ذلك، تطفو على السطح اقتراحات انتقالات جديدة قد تعقد المشهد المالي أكثر، مثل الاقتراح الإنجليزي الذي ينقل محمد صلاح إلى الهلال في صفقة تبادلية مع ليفربول، بعد إعلان النجم المصري عن قراره الرحيل عن الأنفيلد نهائيًا بعد تسع سنوات.
غير أن كل هذه الضغوط والتحديات ستخضع لاختبار أولي فوري في مواجهة الخلود المقبلة. فاستعادة الدوسري ومندش للجهوزية تمنح دفعة معنوية، لكنها لن تكفي وحدها لطمأنة الجماهير الغائبة أو لسد الفجوة التي قد تتركها الغيابات الأخرى. أمام هذا المشهد المتشابك، يبدو أن الهلال مطالب بإجراء مراجعة شاملة لسياساته، ليس فقط لإنقاذ الموسم الحالي، ولكن لضمان استدامة مشروعه الكروي الطموح في مواجهة منافسة محلية شديدة التصاعد.
