هل يمكن لأسطورة أن تعود لاستعادة مجدها بعد 13 عامًا؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة مع عودة المدرب التونسي فتحي الجبال لتدريب نادي الفتح السعودي، بعد أن قاد الفريق قبل أكثر من عقد للفوز بأول لقب في تاريخه. إنها عودة تحمل في طياتها ذكريات إنجاز تاريخي وألقاب شخصية، حيث يعود “كرستيتش التونسي” إلى حيث صنع المعجزة.
من هو “كرستيتش التونسي” الذي عاد لتدريب الفتح؟
يرتبط لقب الجبال ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الكرة التونسية. ففي مطلع الستينات، أصبح المدرب اليوغوسلافي ميلان كرستيتش أول مدرب أجنبي يقود المنتخب التونسي بعد استقلال البلاد بنحو أربعة أعوام. وقد نجح في قيادة “نسور قرطاج” للتأهل إلى أولمبياد روما 1960، وهي أول تظاهرة كروية عالمية يشارك فيها المنتخب.
وبعد رحيل كرستيتش عن تونس بعامين، ولد فتحي الجبال في أرخبيل قرقنة. وعندما خالط كبار فريق “محيط قرقنة” كلاعب صاعد، لقبه أصدقاؤه وزملاؤه بـ”كرستيتش” تيمنًا بذلك المدرب اليوغوسلافي المؤثر. وهكذا حمل الجبال هذا اللقب منذ بداياته، ليرافقه طوال مسيرته.
رحلة تدريبية طويلة قبل الوصول للفتح
أمضى فتحي الجبال 9 مواسم لاعبًا في نادي محيط قرقنة بعد تصعيده من الفئات السنية. وفي عام 1988، انتقل إلى مدينة صفاقس للدراسة الأكاديمية في تخصص تدريب كرة القدم. وبعد حصوله على شهادته، تولى مسؤولية شباب ناديه الأصلي ثم الفئات السنية للنادي الأفريقي.
في عام 1997، تولى الجبال المسؤولية الفنية للمنتخب الإقليمي للعاصمة تونس. وفي العام التالي، تعاقد مع فريق اتحاد ماطر. وكانت نقطة التحول نحو السعودية في عام 1999، عندما تكللت مفاوضات نائب رئيس نادي سدوس، خالد المعمر، بالنجاح. عمل الجبال آنذاك مساعدًا لمواطنه بالحسن مالوش للإشراف على فريق سدوس.
التحول التاريخي مع نادي الفتح
بعد تجارب في أندية سعودية أخرى مثل النجمة والحزم ونجران، عاد الجبال إلى تونس. لكن مفاوض نادي الفتح، خالد السعود، أقنعه بإنهاء التزاماته هناك بعد 4 أشهر فقط. وابتداء من عام 2008، أصبح فتحي الجبال المدرب الفني للفتح.
في موسمه الثاني مع الفريق، قاد الجبال الفتح للصعود إلى الدوري السعودي للمحترفين لأول مرة في تاريخ النادي. وكانت الذروة في الموسم السادس، عندما قاد الفريق للفوز بلقب الدوري لأول مرة أيضًا، ليغير مفاهيم كروية كثيرة.
ظل الفتح متصدرًا منذ الجولة الخامسة حتى التتويج، ليتوج بلقب تاريخي. وبذلك، أصبح فتحي الجبال أكثر المدربين مشاركة في الدوري السعودي للمحترفين بـ 235 مباراة. كما كان المدرب الأكثر انتصارًا في تاريخ البطولة بـ 82 انتصارًا، قبل أن يتجاوزه البرازيلي بيريكليس شاموسكا مؤخرًا ليصل إلى 94 انتصارًا.
عودة الأسطورة في سياق تنافسي حاد
تعود فتحي الجبال لتدريب الفتح في وقت يشهد الدوري السعودي منافسة شديدة وهيمنة واضحة لمدربين أجانب متميزين. ففي السياق ذاته، يقود مدربون مثل بريندان رودجرز في القادسية فرقهم بإنجازات لافتة، مما يزيد من حدة المنافسة على جميع الأصعدة.
علاوة على ذلك، تأتي هذه العودة في ظل دعم جماهيري متزايد عبر مبادرات رابطة الدوري، مثل مبادرة “مشجع الجولة” التي تهدف إلى تعزيز الحضور الجماهيري وتجربة يوم المباراة. كل هذه العوامل تشكل خلفية مهمة لتجربة الجبال الثانية مع الفتح.
ختامًا، تمثل عودة فتحي الجبال لتدريب الفتح أكثر من مجرد تغيير فني تقليدي. إنها عودة رمزية لأسطورة صنعت أمجًادا لا تنسى، وتحمل أملًا جماهيريًا كبيرًا في استعادة جزء من بريق حقبة ذهبية. إنها محاولة لربط الحاضر المجهد بماضٍ مجيد، حيث يصبح الحلم بإعادة الأمجاد ممكنًا من جديد.
