هل يمكن لمبادرة فردية من رئيس نادٍ أن تعالج مشكلة مزمنة تعاني منها المدرجات السعودية؟ هذا السؤال يطفو على السطح بقوة بعد إعلان عبد الله الماجد، رئيس مجلس إدارة نادي النصر، خفض تذاكر مباراة فريقه أمام الاتحاد إلى عشرة ريالات فقط، في خطوة تهدف لتحفيز الحضور الجماهيري خلال مرحلة حاسمة من الموسم. هذه الخطوة تضع إشكالية أزمة الغياب الجماهيري في الدوري السعودي تحت المجهر مجددًا، وتسائل عن الدور المطلوب من رابطة الدوري السعودي للمحترفين في مواجهة هذه الظاهرة المتكررة.
جدل الصامت والنظام المفقود
لم تمر مبادرة الماجد، التي أعلن عنها عبر منصة “إكس” بالاتفاق مع إدارة ملعب “الأول بارك”، دون أن تثير نقاشًا أوسع حول المسؤولية المؤسسية. ونقل عن الماجد قوله: “بعد الاتفاق مع الإخوان في إدارة الأول بارك، سيتم تفعيل تذاكر النصر والاتفاق، بالأسعار المخفضة مساء اليوم، نتمنى من جماهيرنا الحضور ومواصلة دعم الفريق في أهم مراحل الموسم. موعدنا في المدرج يا أوفى جمهور”.
في المقابل، انتقد الإعلامي ناصر الهويدي، خلال برنامج “أكشن مع وليد”، ردة فعل رابطة الدوري واصفًا إياها بأنها تأخذ “دور الصامت” وليس لديها “نظام” للتعامل مع الأزمة، مطالبًا بتدخلها. غير أن وليد الفراج رد بأن الحضور الجماهيري ليس من مهام الرابطة الأساسية، والتي تعنى بإدارة المسابقة وجدولتها. وأصر الهويدي على أن نجاح المنتج الرياضي، وهو الدوري، مرتبط بشكل أساسي بالجمهور، مما يفرض على الجهة المنظمة التدخل.
إحصائيات صادمة تكشف حجم الأزمة
تأتي هذه المبادرة في سياق إحصائيات مثيرة للقلق حول نسب الحضور. ففي الجولة السابعة والعشرين، سجل النصر أعلى حضور بأكثر من 26 ألف متفرج في مباراته أمام النجمة. لكن الصورة العامة كانت أقل إشراقًا. فحضور الهلال في مباراة التعاون بلغ أقل من 50% من سعة ملعب المملكة أرينا، بحضور 11 ألف متفرج فقط.
الأمر لم يكن أفضل للأندية الكبيرة الأخرى؛ حيث حضر 8 آلاف متفرج لمباراة الأهلي وضمك في ملعب الإنماء، بينما شهدت مواجهة الاتحاد والحزم في ملعب مدينة الأمير عبد الله الفيصل حضورًا هزيلًا بلغ 3.7 آلاف مشاهد فقط. هذه الأرقام تؤكد أن الظاهرة ليست محصورة بنادٍ معين، بل هي أزمة عامة تتطلب حلولاً شاملة.
شجع واربح 🎁
أشعل المدرجات في المباراة القادمة واربح سيارة جديدة 🏎🔥
🎟 احجز تذكرتك الآن: https://t.co/gezFIO6SrW#الأهلي_ضمك | #دوري_روشن_السعودي | #مشجع_الجولة pic.twitter.com/QvGjbUp59u
— النادي الأهلي السعودي (@ALAHLI_FC) April 2, 2026
مبادرات فردية في مواجهة واقع مرير
لم تكن مبادرة النصر هي المحاولة الوحيدة لاستدرار الجمهور. ففي وقت سابق، حاول نادي الأهلي تحفيز مشجعيه لحضور مباراة ضمك من خلال الإعلان عن سحب على سيارة جديدة، وهي محاولة لم تمنع الفريق من احتلال المركز الثالث من حيث الحضور في تلك الجولة. من جهة أخرى، عبر مدرب الاتحاد البرتغالي، كونسيساو، عن ألمه الشخصي من القلة في المدرجات.
وقال كونسيساو: “قلة الحضور الجماهير ‘تؤلمه’، وأنه يفتقد لعشاق العميد، داعيًا إياهم للتواجد بكثرة من أجل دعم الفريق الذي لا يزال يملك طموحًا بالمنافسة على لقب دوري أبطال آسيا للنخبة”. وأضاف المدرب، الذي دخل في مشادة مع أحد المشجعين قبل أن يعانقه لاحقًا، واعدًا إياه بأن الفريق سيقاتل من أجل التأهل إلى النخبة الآسيوية.
تناقض صارخ: منافسات محتدمة ومدرجات شبه خاوية
يظهر التناقض جليًا عند مقارنة ضعف الإقبال بأهمية المنافسات الحالية. فمع بقاء سبع جولات على نهاية الموسم، يدور سباق شرس على لقب دوري روشن بين النصر المتصدر بـ70 نقطة، والهلال والأهلي بـ65 نقطة لكل منهما، والقادسية بـ60 نقطة. كما تخوض الأندية منافسات قارية مصيرية؛ حيث يتنافس الأهلي والهلال والاتحاد على لقب دوري أبطال آسيا للنخبة، بينما يستعد النصر لخوض ربع نهائي دوري أبطال آسيا 2.
رغم هذه الأهمية الرياضية والتحفيزية، تظل أرقام الحضور في كثير من المباريات مخيبة للآمال. هذا الوضع يطرح تساؤلات حول العوائق الأخرى غير السعرية التي تمنع الجمهور من التواجد، سواء كانت لوجستية أو تتعلق بتجربة المشجع داخل الملعب أو أسبابًا أخرى تحتاج لدراسة معمقة من قبل الجهات المعنية.
مسؤولية جماعية تتطلب حلولاً مؤسسية
في النهاية، بينما تبقى المبادرات الفردية مثل تخفيض التذاكر أو السحوبات خطوات ترحيب بها وتظهر حرص الأندية على جمهورها، فإنها تبدو كمسكنات مؤقتة لأزمة هيكلية. استمرار أزمة الغياب الجماهيري في الدوري السعودي بهذا الشكل، خاصة في المنعطفات الحاسمة، يضع عبئًا أكبر على عاتق رابطة الدوري السعودي للمحترفين. يتطلب الأمر الانتقال من دور “الصامت” إلى فاعل رئيسي في صياغة استراتيجية شاملة تجمع بين دراسة الأسباب الحقيقية وتنفيذ حلول مبتكرة تعيد الجماهير إلى المدرجات، لضمان استدامة نجاح المنتج الكروي الوطني في الأمد البعيد.
