هل تشهد الكرة السعودية نهاية أحد أكثر العهود إثارة للجدل في تاريخها؟ تتسارع الأحداث داخل أروقة الاتحاد السعودي لكرة القدم نحو إقالة هيرفي رينارد مدرب السعودية، بعد الهزيمة الثقيلة برباعية نظيفة أمام مصر في المباراة الودية الأخيرة، مما يضع “الأخضر” على مفترق طرق حاسم قبل التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2026.
نهاية رمادية لعهد مشرق
تشير كل الدلائل إلى أن رحلة الفرنسي هيرفي رينارد مع المنتخب السعودي قد وصلت إلى محطتها الأخيرة. وكانت الهزيمة المدوية 4-0 أمام مصر هي القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد فترة ثانية من حكم رينارد شهدت تراجعاً ملحوظاً في أداء الفريق.
يعد رينارد المدرب الأكثر خوضاً للمباريات في تاريخ “الأخضر”، حيث قاد الفريق في أكثر من 45 مباراة دولية. وستظل إنجازاته محفورة في الذاكرة، أبرزها التأهل لمونديال قطر 2022 متصدراً للمجموعة، وتسجيل الانتصار التاريخي على الأرجنتين بنتيجة 2-1 في نفس البطولة.
لكن الصورة اختلفت تماماً منذ عودته للولاية الثانية. فشل الفريق في استعادة صلابته الدفاعية المعهودة، واستقبلت شباكه أهدافاً بمعدل مقلق. انخفضت نسبة الفوز بشكل حاد، وظهرت حالة من فقدان الهوية الفنية، مما جعل استمراره مستحيلاً بعد الزلزال الأخير أمام الفراعنة.
سباق مع الزمن للعثور على البديل
تفرض أزمة ضيق الوقت نفسها بقوة، حيث باتت نهائيات كأس العالم 2026 على الأبواب. أي تأخير في اختيار البديل قد يكلف المنتخب غالياً في التصفيات الحاسمة. وكشف الإعلامي عمار باحكيم عبر برنامجه “في الـ90” أن بوصلة مفاوضات الاتحاد اتجهت نحو أسماء عالمية وازنة.
من جهة أخرى، واجه الاتحاد سلسلة من الرفض والاعتذارات التي عقدت الموقف. كان الإيطالي روبرتو دي زيربي، مدرب برايتون ومارسيليا السابق، الخيار الأول، لكن المفاوضات اصطدمت برفض قاطع منه. كما اعتذر الإسباني تشافي هيرنانديز عن تولي المنصب، مما حصر الخيارات الأجنبية في نطاق ضيق.
هذا الوضع دفع نحو ترجيح كفة المدربين العرب، لكونهم الأكثر دراية بنفسية اللاعب السعودي والأجواء التنافسية المحلية. يعد هذا الخيار الأمثل لتوفير وقت “مرحلة التعارف” الطويلة التي لا يملك المنتخب رفاهيتها قبل المنافسات المصيرية.
الركراكي وأموريم: معركة الهوية الفنية
برز اسم المغربي وليد الركراكي كمرشح فوق العادة، بنسبة قبول تصل إلى 80%. تدعم ترشيحه شخصيته القيادية وتجربته المونديالية الملهمة، حيث قاد منتخب المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم، مما يجعله الخيار العربي الأقدر على فهم “لغة الضاد” والغيرة الكروية المشتركة.
في المقابل، يبرز الخيار الأجنبي عبر البرتغالي روبن أموريم، مدرب مانشستر يونايتد السابق. يأتي أموريم كخيار فني يهدف لنقل الكرة السعودية لمستوى “الكرة الشاملة”، مستفيداً من انتشار “المدرسة البرتغالية” الواضح في الدوري المحلي مؤخراً.
لكن المخاوف تظل قائمة حول قدرة أي مدرب أجنبي على فهم عقلية اللاعب واستيعاب خبايا الكرة السعودية في الوقت الضيق المتبقي. من هنا، تبدو كفة الركراكي هي الأرجح جماهيرياً، لقدرته على احتواء غرف الملابس وفرض الانضباط المطلوب لاستعادة التوازن بأسرع وقت.
خارطة إنقاذ في وقت ضائع
إن قرار إقالة هيرفي رينارد مدرب السعودية، إذا تم رسمياً، هو أكثر من تغيير تقني. إنه خارطة إنقاذ تهدف لحماية مكتسبات الكرة السعودية وضمان منافسة حقيقية في المونديال المقبل، وليس المشاركة فقط. يواجه الاتحاد ضغوطاً هائلة لحسم الملف سريعاً.
يعد التوقف الدولي الحالي الفرصة الأخيرة لتجربة أفكار المدرب الجديد مع اللاعبين. هذه النافذة الضيقة تزيد من حدة السباق مع الزمن، وتجعل من الأيام القليلة المقبلة حاسمة في تحديد مصير الرحلة نحو كأس العالم 2026.
علاوة على ذلك، فإن الهزيمة الثقيلة أمام مصر تركت آثاراً نفسية تحتاج إلى معالجة سريعة. المدرب القادم، سواء كان الركراكي أو أموريم، سيكون مطالباً بمحو هذه الآثار واستعادة الهيبة المفقودة في وقت قياسي.
يبقى السؤال الأكبر: هل يغامر الاتحاد بمدرب أجنبي يحتاج لشهور للتأقلم، أم يمنح الثقة لمدرب عربي يلملم الأوراق المبعثرة قبل فوات الأوان؟ الأيام القليلة القادمة كفيلة بكشف هوية “الربان” الجديد لسفينة الصقور في رحلة البحث عن المجد الضائع.
في الختام، يقف المنتخب السعودي عند منعطف تاريخي. قرار اختيار البديل لرينارد سيحدد ملامح المرحلة المقبلة برمتها. التركيز الآن يجب أن ينصب على اختيار القائد القادر على قيادة دفة “الأخضر” عبر عاصفة التصفيات المؤهلة، مستفيداً من الدروس والعبر التي خلّفتها إقالة هيرفي رينارد مدرب السعودية.
