هل يمكن لإصابة قاسية أن تحرم لاعباً من كأس العالم ثم تمنحه القدرة لصنع التاريخ في البطولة الأوروبية؟ هذه هي قصة ميكيل أويارزابال، الذي تحول من ألم الغياب في قطر إلى فرحة تسجيل هدف الفوز في نهائي يورو 2024، ليحفر اسمه بأحرف من ذهب في سجلات الكرة الإسبانية.
جذور باسكية وبداية متواضعة
ولد ميكيل أويارزابال في مدينة إيبار الباسكية عام 1997، وسط عائلة مستقرة ووالد هو رجل أعمال بارز. على عكس الصورة النمطية لصعود النجوم من الشوارع، كانت طفولته مريحة، لكنها لم تبعد شغفه عن الكرة. انضم إلى ناشئي نادي إيبار المحلي في سن العاشرة، قبل أن تلفت موهبته أنظار كشافي ريال سوسيداد. في عام 2011، انتقل إلى أكاديمية “زوبيتا” التابعة للنادي، لتبدأ رحلته الحقيقية.
«إيبار النادي الذي أعطاني الفرصة الأولى، وأحب الوجود هناك مع عائلتي وأصدقائي.. إنه المكان الذي أشعر فيه بالراحة والهدوء».
وفي عام 2015، دشن مشواره الاحترافي مع الفريق الأول لريال سوسيداد تحت قيادة المدرب ديفيد مويس، وهو في الثامنة عشرة من عمره فقط. سجل هدفه الأول بعد أشهر قليلة، ليكون بداية مشوار حافل.
التفوق على العشب وفي قاعات المحاضرات
لم يقتصر تميز أويارزابال على الملعب الأخضر. فهو نموذج فريد للاعب جمع بين الاحتراف الرياضي والتفوق الأكاديمي. بعد إتمامه المرحلة الثانوية، التحق بجامعة ديوستو لدراسة إدارة الأعمال، وعاش حياة طلابية عادية بعيداً عن الأضواء. علاوة على ذلك، تخرج بمرتبة الشرف، مؤكداً أن العلم ركيزة أساسية في مسيرته.
«الجمع بين الكرة والدراسة ليس أمرًا استثنائيًا.. العلم يمنحك قاعدة قوية في الحياة ويجعلك شخصًا أكثر اكتمالًا».
هذا النجاح الدراسي انعكس على شخصيته المتواضعة، بعيداً عن بريق النجومية والمظاهر الفاخرة، متمسكاً بالقيم التي تربى عليها في مدينته إيبار.
محنة الرباط الصليبي وغياب عن المونديال
في مارس 2022، تعرض أويارزابال لضربة قاسية غيرت مساره. إصابة بقطع في الرباط الصليبي أبعدته عن الملاعب لتسعة أشهر كاملة. كانت المحنة الأصعب هي حرمانه من المشاركة في كأس العالم 2022 في قطر، وهو حلم أي لاعب. واجه اللاعب الباسكي هذا الامتحان بصبر ووعي نادرين.
«الإصابة أمر لا يتمناه أحد، لكنها حدثت وكان عليّ تقبلها. كانت سنة صعبة جدًا، وأنا ممتن للنادي على ثقته ومنحه إياي عقدًا طويل الأمد».
كانت ثقة ريال سوسيداد فيه، بتجديد عقده طويل الأمد رغم الإصابة، حافزاً قوياً ليعود بأقوى مما كان.
العودة التاريخية وصناعة المجد
عاد أويارزابال بعزيمة لا تلين، ليقود فريقه بكل إخلاص. تخطى حاجز الـ400 مباراة مع النادي، وأصبح الهداف التاريخي لريال سوسيداد في الألفية الجديدة. هذا الولاء المطلق تجسد في تصريحاته المتكررة عن حبه للنادي الذي يعتبره بيته الوحيد. في المقابل، جاءت ذروة المجد على الصعيد الدولي في 14 يوليو 2024.
في نهائي يورو 2024 أمام إنجلترا، وفي الدقيقة 86، سجل ميكيل أويارزابال هدف الفوز التاريخي الذي منح إسبانيا اللقب القاري. كانت هذه اللحظة تتويجاً لرحلة صمود طويلة، تعويضاً عن ألم الغياب في المونديال.
«كان من نصيبي أن أصنع التاريخ، لكن هذا الفريق عائلة واحدة. الفوز بهذه الفرحة بعد كل ما مررت به هو أقصى ما كنت أتمناه».
لم تتوقف إنجازاته هنا، ففي ظهوره الدولي التالي سجل هدفين في مرمى صربيا، مؤكداً استمراره كركن أساسي في هجوم “الماتادور” الذي يتطلع لتعويض ما فاته في كأس العالم 2026.
قصة ولاء وتفوق لا تنتهي
اليوم، يعيش أويارزابال البالغ من العمر 28 عاماً حياة هادئة مع شريكته منذ 2015، ويربي طفلهما الأول. قصة صعوده من إيبار إلى قمة أوروبا، مروراً بجامعة ديوستو وأزمة الإصابة، تقدم نموذجاً ملهماً يجمع بين الولاء للجذور والطموح الشخصي والتفوق في أكثر من مجال. إنها قصة تثبت أن الإرادة القوية يمكنها أن تحول المحن إلى منح، وأن تحقق أحلاماً تبدو مستحيلة، مثل هدف يورو 2024 الذي خلده في تاريخ الكرة.
«سوسيداد بيتي، ولا يخطر ببالي أي شيء آخر. أحمل حقيبة المسؤولية بفخر، ولي طريقتي الخاصة في القيادة».
بعد كل ما مر به، يظل ميكيل أويارزابال رمزاً للتواضع والانتماء، يحمل راية منطقته الباسكية وناديه الوحيد بكل فخر، بينما يكتب فصلاً جديداً من المجد مع المنتخب الإسباني.
